قال أبو عبد الله محمَّد بن فُتوح الحميديُّ (488هـ) رحمه الله في: ((جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، وأسماء رواة الحديث، وأهل الفقه والأدب، وذوي النباهة والشِّعر)):
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب أبو محمد أصله من الفرس، وجده الأقصى في الإسلام اسمه يزيد مولى ليزيد بن أبي سفيان، كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله من الوزارة وتدبير الممالك، متواضعاً ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به في العلوم وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئاً كثيراً، وسمع سماعاً جماً، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربع مئة.
وألف في فقه الحديث كتاباً كبيراً سماه كتاب الإيصال، إلى فهم كتاب الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه، والحجة لكل طائفة وعليها، والأحاديث الواردة في ذلك من الصحيح والسقيم بالأسانيد وبيان ذلك كله، وتحقيق القول فيه، وله كتاب الإحكام لأصول الأحكام في غاية النقصى وإيراد الحجاج؛ وكتاب الفصل في الملل وفي الأهواء والنحل، وكتاب في الإجماع ومسائله على أبواب الفقه، وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض، وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما يحتمل التأويل. وهذا مما سبق إليه، وكذلك كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه، وغير ذلك.
وما رأينا مثله رحمه الله فيما اجتمع له مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين؛ مولده في ليلة الفطر سنة أربع وثمانين وثلاث مائة بقرطبة، ومات بعد الخمسين وأربع مائة.
وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير، وقد جمعناه على حروف المعجم، ومنه:
هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركـنـا ، فجائعه تبقى ولـذاتـه تـفـنـى
وإذا أمكنت فـيه مـسـرة سـاعةٍ ، تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعاتٍ في المعـاد ومـوقـفٍ نود ، لديه أننـا لـم نـكـن كـنـا
حصلنا على هـمٍّ وإثـمٍ وحـسـرةٍ ، وفات الذي كنا نلذ بـه عـينـا
حنينٌ لما ولى وشغـل بـمـا أتـى ، وغمٌّ لما يرجى فعيشـك لا يهـنـا
كأن الذي كنـا نـسـر بكونـه ، إذا حققته النفس لفظٌ بلا معـنـى
وله من قصيدة طويلة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن أحمد بن بشر يفخر فيها بالعلم، ويذكر أصناف ما علم، وفيها:
أنا الشمس في جو العلـوم مـنـيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الـغـرب
ولو أنني من جانب الشرق طـالـع ، لجد علي ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو أكناف العــراق صـبـابة ، ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بـينـهـم ، فحينئذ يبدو التـأسف والـكـرب
فكم قائل: أغفلته وهـو حـاضـر ، وأطلب ما عنه تجيء به الكـتـب!
هنالك يدري أن للـبـعـد قـصة ، وأن كساد العلم آفـتـه الـقـرب!
ومنها في الاعتذار عن المدح لنفسه:
ولكن لي في يوسف خير أسـوة ، وليس على من بالنبي ائتسى ذنب
يقول وقال الحق الصدق إنـني ، حفيظ عليم ما على صادق عتب
وله من أخرى:
مناي من لدنيا عـلـومٌ أبـثـهـا ، وأنشرها في كل بادٍ وحـاضـر
دعاءٌ إلى القرآن والسنـن الـتـي ، تنـاسى رجالٌ ذكرها في المحاضر
وأنشدني لنفسه، وأنا سألته:
ابن وجه قول الحق في نفس سامع ، ودعه فنور الحق يسرى ويشرق
سيؤنسه رفقاً فينـسـى نـفاره ، كما نسى القيد الموثق مطـلـق
وأنشدني لنفسه:
لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضت ، فالدهر ليس على حال بمـتـرك
ذو الفضل كالتبر طوراً تحت ميقعة ، وتارة في ذرى تاج على مـلـك
وأنشدني لنفسه:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ، فروحي عندكم أبداً مـقـيم
ولـكن للعيان لطيف معـنى ، له سأل المعاينة الـكـلـيم
وله في هذا المعنى:
يقول أخي شجاك رحيل جسم ، وروحك ماله عنـا رحـيل
فقلت له المعاين مطـمـئن ، لذا طلب المعاينة الخـلـيل