ابن حزم في (شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي
قال الشيخ عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي، الشهير بابن العماد الحنبلي (ت: 1089) في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) في وفيات سنة ست وخمسين وأربع مئة:
وفيها أبو محمد بن حزم: العلامة علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الأموي مولاهم الفارسي الأصل الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنفات، مات مشردًا عن بلده من قبل الدولة ببادية لبلة بفتح اللامين وبينهما موحدة بلدة بالأندلس بقرية له ليومين بقيا من شعبان عن اثنتين وسبعين سنة.
روى عن أبي عمر ابن الجسور ويحيى بن مسعود وخلق وأول سماعه سنة تسع وتسعين وثلث مئة، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والآداب والمنطق والشعر مع الصدق والديانة والحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب.
قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتابًا لأبي محمد ابن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه.
وقال ابن صاعد في تاريخه: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تآليفه نحو أربع مئة مجلد، قاله في العبر.
وقال ابن خلكان: كان حافظًا عالما بعلوم الحديث مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر وكان متفننا في علوم جمة عاملا بعلمه زاهدا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك متواضعا ذا فضائل وتآليف كثيرة وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئا كثيرا وسمع سماعا جما وألف في فقه الحديث كتابا سماه كتاب الإيصال إلى الفهم وكتاب الخصال الجامعة نحل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين وله كتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى التوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل وهذا معنى لم يسبق إليه وكتاب التقريب بحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة وكان له كتاب صغير سماه نقط العروس جمع فيه كل غريبة ونادرة.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح: ما رأينا مثله مما اجتمع له مع الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه قال أنشدني لنفسه:
( لئن أصبحت مرتحلا بجسمي ** فروحي عندكم أبدا مقيم )
( ولكن للعيان لطيف معنى ** له سأل المعاينة الكليم )
وله
( وذو عذل فيمن سباني بحسنه ** يطيل ملامي في الهوى ويقول )
( أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ** ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل )
( فقلت له أسرفت في اللوم ظالما ** وعندي رد لو أردت طويل )
( ألم تر أني ظاهري وأنني ** على ما بدا حتى يقوم دليل )
وروى له الحافظ الحميدي:
( أقمنا ساعة ثم ارتحلنا ** وما يغني المشوق وقوف ساعه )
( كان الشمل لم يك ذا اجتماع ** إذا ما شتت البين اجتماعه )
وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد أحد يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب واستملل من فقهاء وقته فمالوا على بغضه وردوا قوله وأجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ فأقصته الملوك وشردته عن بلاده.
وقال: ابن العريف كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين. انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصًا.