ابن حزم في (نفح الطيب) للمقري
قال العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عبدالرحمن بن أبي اليعيش بن محمد التلمساني المقَّري (1041هـ/1631م) في كتابه: (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب):
وابن حزم المذكور هو أبو محمد ابن حزم الظاهري.
قال ابن حيّان وغيره: كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل، وله كتب كثيرة في المنطق والفلسفة لم يخل فيها من غلط، وكان شافعيّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريّاً، فوضع الكتب في هذا المذهب، وثبت عليه إلى أن مات، وكان له تعلّق بالأدب، وشنّع عليه الفقهاء، وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه، وتوفّي بالبادية عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وقال صاعد في تاريخه: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسّير والأخبار، أخبرني ابنه الفضل أنّه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه نحو أربعمائة مجلد، نقله عن تاريخ صاعد الحافظ الذهبي.
قال الذهبي: وهو العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح، الأموي، مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنفات، وأول سماعه سنة 399، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدّة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنّة والمذاهب والملل والنّحل والعربية والآداب والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة الحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب.
قال الغزالي رحمه الله تعالى: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأي محمد ابن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه، انتهى باختصار.
وعلى الجملة فهو نسيج وحده، لولا ما وصف به من سوء الاعتقاد، والوقوع في السلف الذي أثار عليه الانتقاد، سامحه الله تعالى.
وذكر الذهبي أن عمره اثنتان وسبعون سنة، وهو لا ينافي قول غيره إنّه كان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر لأنّه ولد رحمه الله تعالى بقرطبة بالجانب الشرقي في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، بطالع العقرب، وتوفّي ليومين بقيا من شعبان سنة 456، وكان كثير المواظبة على التأليف، ومن جملة تآليفه كتاب الفصل بين أهل الأهواء والنّحل وكتاب الصادع والرادع على من كفّر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على فرق التقليد وكتاب شرح حديث الموطإ والكلام على مسائله وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظريّة وفروعها التي لا نصّ عليها في الكتاب والحديث وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف وكتاب الإمامة والخلافة في سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس انتهى.
وقال ابن سعيد في حق ابن حزم، ما ملخّصه: الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي، وشهرته تغني عن وصفه، وتوفّي منفيّاً بقرية من بلد لبلة، ووصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالةٌ فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه الرسالة، وهي: سمعت وأطعت، لقوله تعالى: "وأعرض عن الجاهلين" وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه الصلاة والسلام: "صل من قطعك، واعف عمّن ظلمك" ورضيت بقول الحكماء: "كفاك انتصاراً ممّن تعرض لأذاك إعراضك عنه"، وأقول:
تتبّع سواي امرأً يبتـغـي ، سبابك إنّ هواك السّبـاب
فإنّي أبيت طلاب السفـاه ، وصنت محلّي عمّا يعاب
وقل ما بدا لك من بعـد ذا ، وأكثر فإنّ سكوتي خطاب
وأقول:
كفاني بذكر الناس لي ومآثـري ، وما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر
عدوّي وأشياعي كثيرٌ كذاك من ، غدا وهو نفّاع المساعي وضائر
وإنّي وإن آذيتني وعققـتـنـي ، لمحتملٌ ما جاءني منك صابـر
فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها أنشدتني:
نحنح زيدٌ وسـعـل ، لمّا رأى وقع الأسل
فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفسي: قد عرفت مكانها، بالله لا قطعتها إلاّ يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سبباً إلى صونها، فقلت:
نعقت ولم تدر كـيف الـجـواب ، وأخطأت حتى أتـاك الـصـواب
وأجـريت وحـدك فـي حـلـبةٍ ، نأت عنك فيها الجـياد الـعـراب
وبتّ من الجهل مسـتـنـبـحـاً ، لغير قـرىً فـأتـتـك الـذئاب
فكيف تبيّنت عقـرى الـظّـلـوم ، إذا ما انقضت بالخميس العقـاب
لعمـرك مـا لـي طـبـاعٌ تـذمّ ، ولا شـيمةٌ يوم مـجـدٍ تـعـاب
أنيل المنـى والـظّـبـا سـخّـطٌ ، وأعطي الرضى والعوالي غضاب
وأقول:
وغاصب حقٍّ أوبقته الـمـقـادر ، يذكّرني حاميم والرمح شـاجـر
غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ، ويجهل أنّ الحقّ أبلج ظـاهـر
ألم تتعلّم يا أخا الظّـلـم أنّـنـي ، برغمك ناهٍ منذ عـشـرٍ وآمـر
تذلّ لي الأملاك حرّ نفـوسـهـا ، وأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شـوارداً ، تليّنهم وهي الصعاب النـوافـر
فإن أثو في أرض فإنّـي سـائرٌ ، وإن أنأ عن قومٍ فإنّي حـاضـر
وحسبك أن الأرض عندك خاتـمٌ ، وأنّك في سطح السلامة عـاثـر
ولا لوم عندي في استراحتك التي ، تنفست عنها والخطوب فـواقـر
فإنّي للحلف الذي مـرّ حـافـظٌ ، وللنزعة الأولى بحامـيم ذاكـر
هنيئاً لكـلٍّ مـا لـديه فـإنّـنـا ، عطيّة من تبلى لديه السرائر
ومن شعر أبي محمد ابن حزم يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن بشر:
أنا الشمس في جوّ العلـوم مـنـيرةً ، ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الـغـرب
ولو أنّني من جانب الشرق طـالـعٌ ، لجدّ على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو آفاق الـعـراق صـبـابةٌ ، ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ
فإن ينزل الرحمن رحلي بـينـهـم ، فحينئذ يبدو التـأسـف والـكـرب
فكم قائلٍ أغفلتـه وهـو حـاضـرٌ ، وأطلب ما عنه تجيء به الكـتـب
هنالك يدري أن لـلـعـبـد قـصّةً ، وأن كساد العلم آفـتـه الـقـرب
فيا عجباً من غال عنهم تـشـوّقـوا ، له، ودنوّ المرء من دارهـم ذنـب
وإنّ مكاناً ضاق عـنّـي لـضـيّقٌ ، على أنّه فيحٌ مهامـهـه سـهـب
وإنّ رجالاً ضـيّعـونـي لـضـيّعٌ ، وإنّ زماناً لم أنل خصـبـه جـدب
ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه:
ولكنّ لي في يوسفٍ خير أسـوةٍ ، وليس على من بالنبيّ ائتسى ذنب
يقول مقال الصّدق والحقّ إنّنـي ، حفيظٌ عليمٌ، ما على صادقٍ عتب
وقوله:
لا يشمتن حاسدي إن نكبةٌ عرضت ، فالدهر ليس على حالٍ بمـتّـرك
ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربةٍ ، طوراً، وطوراً يرى تاجاً على ملك
وقوله لمّا أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية:
دعوني مـن إحـراق رقٍّ وكـاغـدٍ ، وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ، تضمّنه القرطاس، بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّـت ركـائبـي ، وينزل إن أنزل ويدفن في قـبـري
وقوله:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ، فقلبي عندكـم أبـداً مـقـيم
ولكن للعيان لطيف معـنـىً ، لذا سأل المعاينة الـكـلـيم
وقوله:
وذي عذلٍ فيمن سباني حسنـه ، يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن أجل وجهٍ لاح لم تر غيره ، ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له أسرفت في اللوم فاتّئد ، فعندي ردٌّ لـو أشـاء طـويل
ألم تر أنّي ظاهريٌّ، وأنّـنـي ، على ما أرى حتى يقوم دلـيل
وهو أبو محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن يزيد، القرطبي.
قال ابنه أبو رافع الفضل: اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه نحو أربع مئة مجلد تشتمل على قريب من نحو ثمانين ألف ورقة، انتهى.
أبوه الوزير أبو عمر المذكور كان من وزراء المنصور بن أبي عامر، وتوفّي - كما قال ابن حيان - بذي القعدة سنة اثنتين وأربع مئة، وكان منشؤه ومولده بقرية تعرف بالزاوية.
وحكي أن الحافظ أبا محمد ابن حزم قصد أبا عامر ابن شهيد في يوم غزير المطر والوحل شديد الريح، فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال، وقال له: يا سيّدي، مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم! فأنشده أبو محمد ابن حزم بديهاً:
فلو كانت الدنيا دوينـك لـجّةً ، وفي الجوّ صعقٌ دائمٌ وحريق
لسهّل ودّي فيك نحوك مسلكاً ، ولم يتعذّر لي إلـيك طـريق
قال الحافظ ابن حزم: أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي:
إذا شئت أن تحيا غنيّاً فلا تكن ، على حالةٍ إلا رضيت بدونها
وهذا كافٍ في فضل الفرع والأصل، سامح الله الجميع.
قال ابن حزم في طوق الحمامة: إنّه مرّ يوماً هو وأبو عمر ابن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكّة الحطابين من مدينة إشبيلية، فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال أبو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له أبو عمر: لم نر إلاّ الوجه، فلعلّ ما سترته الثياب ليس كذلك، فقال ابن حزم ارتجالاً:
وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه...
الأبيات.
ولابن حزم أيضاً قوله:
لا تلمني لأنّ سـبـقة لـحـظٍ ، فات إدراكها ذوي الألـبـاب
يسبق الكلب وثبة الليث في العد ، و ويعلو النّخال في اللّـبـاب
ولأبي بكر ابن مفوّز جزء يردّ فيه على أبي محمد ابن حزم، وفيه قال معرّضاً:
يا من تعاني أموراً لن تعانـيهـا ، خلّ التعاني وأعط القوس باريها
تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةً ، وإنّما لمعانيهـا مـعـانـيهـا
وقيل: إنّه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم.