ابن حزم في (معجم البلدان) لياقوت الحموي
قال شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحَمَوي الرومي البغدادي (574-626هـ/1178-1229م) في كتابه: (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) وهو (معجم الأدباء):
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمسٍ القرشي الأندلسي الإمام العلامة المكنَّى أبا محمدٍ.
مات فيما ذكره صاعد بن أحمد الجياني في كتاب أخبار الحكماء في سلخ شعبان سنة ستٍ وخمسين وأربع مئةٍ، قال: وكتب إلي بخط يده: إنه ولد بعد صلاة الصبح من آخر يوم في شهر رمضان سنة ثلاثٍ وثمانين وثلاث مئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة إلا شهراً، قال: وأصل آبائه من قرية منت ليشم من إقليم الزاوية من عمل أونبة من كورة ليلة من غرب الأندلس، وسكن هو وآباؤه قرطبة ونالوا فهيا جاهاً عريضاً، وكان أبو عمروٍ أحمد بن سعيد بن حزم أحد العلماء من وزراء المنصور محمد بن أبي عامرٍ ووزراء ابن المظفر بعده والمدبرين لدولتيهما، وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيراً لعبد الرحمن المستظهر بالله، ابن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ثم لهشام المعتد بالله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فعني بعلم المنطق وألف فيه كتاباً سماه كتاب التقريب لحدود المنطق بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف، واستعمل فيه مثلاً فقيهةً وجوامع شرعيةً، وخالف أرسطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتبه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بين السقط، وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة حتى نال منها ما لم ينله أحد قط بالأندلس قبله، وصنف فيها مصنفاتٍ كثيرة العدد شرعية المقصد، معظمها في أصول الفقه وفروعه على مذهبه الذي ينتحله، وطريقه الذي يسلكه، وهو مذهب داود بن علي بن خلفٍ الأصبهاني ومن قال بقوله من أهل الطاهر ونفاة القياس والتعليل.
قال: ولقد أخبرني ابنه الفضل المكنى أبا رافع: أن مبلغ تواليفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارض نحو أربع مئة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقةٍ، وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإسلام قبله، إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفاً، فذكر ما ذكرناه في ترجمة ابن جرير من أن أيام حياته حسبت وحسبت تصانيفه، وكان لكل يوم أربع عشرة ورقةً ثم قال: ولأبي محمد بن حزمٍ بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة.
ذُكر أن ابن حزم اجتمع يوماً مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي صاحب كتابي المنتقي والاستغناء وغيرهما من التواليف، وجرت بينهما مناظرة فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كان على سرج الحراس. قال ابن حزمٍ: وتعذرني أيضاً فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة، أراد أن الغني أضيع لطلب العلم من الفقر.
قرأت بخط أبي بكر محمد بن طرخان بن يلتكين بن يحكم قال الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد ابن العربي الأندلسي: توفي الشيخ الإمام أبو محمدٍ علي ابن أحمد بن سعيد بن حزمٍ بقريته وهي من غرب الأندلس على خليج البحر الأعظم في شهر جمادى الأولى من سنة سبعٍ وخمسين وأربعمائةٍ، والقرية التي له على بعد نصف فرسخ من أونبة يقال لها متلجتم وهي ملكه ومل سلفن من قبله قال: وقال لي أبو محمد بن العربي: إن أبا محمد بن حزم ولد بقرطبة، وجده سعيد ولد بأونبة ثم انتقل إلى قرطبة وولى فيها الوزارة ثم ابنه على الإمام أقام في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ستاً وعشرين سنة. وقال: إني بلغت إلى هذا السن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات.
قال: قال لي الوزير أبو محمد بن العربي: أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه، فدخل المسجد قبل صلاة العصر والخلق فيه فجلس ولم يركع، فقال له أستاذه يعني الذي رباه بإشارةٍ أن قم فصل تحية المسجد فلم يفهم، فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذه ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟ وكان قد بلغ حينئذٍ ستة وعشرين عاماً قال: فقمت وركعت وفهمت إذاً إشارة الأستاذ إلى بذلك. قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركةً للأحباء من أقرباء الميت، دخلت المسجد فبادرت بالركوع فقيل لي: اجلس اجلس، ليس هذا وقت صلاةٍ، فانصرفت عن الميت وقد خزيت ولحقني ما هانت علي به نفسي وقلت للأستاذ: دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحون، فدلني فقصدته من ذلك المشهد وأعلمته بما جرى فيه، وسألت الابتداء بقراءة العلم واسترشدته، فدلني على كتاب الموطإ لمالك بن أنس - رضي الله عنه - فبدأت به عليه قراءةً من اليوم التالي لذلك اليوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوامٍ، وبدأت بالمناظرة قال: وقال لي الوزير الإمام أبو محمد بن العربي: صحبت الشيخ الإمام أبا محمدٍ على بن حزمٍ سبعة أعوامٍ، وسمعت منه جميع مصنفاته حاشا المجلد الأخير من كتاب الفصل وهو يشتمل على ست مجلداتٍ من الأصل الذي قرأنا منه، فيكون الفائت نحوا لسدس، وقرأنا من كتاب الإيصال أربع مجلداتٍ من كتاب الإمام أبي محمد بن حزمٍ في سنة ستٍ وخمسين وأربع مئةٍ، ولم يفتني من تأليفاته شيء سوى مذكراته من الناقص وما لم أقرأه من كتاب الإيصال. وكان عند الإمام أبي محمد بن حزمٍ كتاب الإيصال في أربع وعشرين مجلداً بخط يده، وكان في غاية الإدماج قال: وقال لي الوزير أبو محمد بن العربي: وربما كان للإمام أبي محمد بن حزمٍ شيء من تواليفه ألفه في غير بلده في المدة التي تجول فيها بشرق الأندلس فلم أسمعه، ولي بجميع مصنفاته ومسموعاته إجازة منه مراتٍ عدةً كثيرةً. آخر ما كان بخط اليجمكي - رحمه الله -.
وأورد له صاحب المطمح أشعاراً منها:
وذي عذل فيمن سباني حسنه ، يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أمن أجل وجه لاح لم تر غيره ، ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له: أسرفت في اللوم فاتئد ، فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني ، على ما أرى حتى يقوم دليل
وأنشد له:
هل الدهر إلا ما عـرفنا وأدركـنـا ، فجـائعه تبقى ولـذاتـه تـفنـى
إذا أمكنـت فـيه مـسـرة سـاعة ، تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعـاد ومـوقـف ، نود لديه أننـا لم نـكـن كـنـا
حصلنا على هم وإثـم وحـسـرة ، وفات الذي كنا نقـر بـه عينـا
حنين لما ولى وشغـل بـمـا أتـى ، وغم لما يرجى فعيشـك لا يهـنـا
كأن الذي كنـا نـسـر بكـونه ، إذا حققته النفس لفظ بلا معـنـى
وله:
ولى نحو أكناف العراق صبابة ، ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ، فحينئذٍ يبدو التأسف والكرب
هنالك تدرى أن للبعد قصةً ، وأن كساد العلم آفته القرب
وله:
لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضت ، فالدهر ليس على حال بمـتـرك
ذو الفضل كالتبر طوراً تحت ميقعة ، وتارة في ذرى تاج على مـلـك!
وله:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ، فروحي عندكم أبداً مـقـيم
ولـكن للعيان لطيف معنـى ، له سأل المعاينة الـكـلـيم
ومن شعر أبي محمد بن حزمٍ:
أنا العلق الذي لا عيب فيه ، سوى بلدي وأني غير طارى
تقر لي العراق ومن يليها ، وأهل الأرض إلا أهل داري
طووا حسداً على أدب وفهمٍ ، وعلمٍ ما يشق له غباري
فمهما طار في الآفاق ذكري ، فما سطع الدخان بغير نار
قال أبو مروان بن حيان: كان أبو محمدٍ حامل فنونٍ من حديثٍ وفقهٍ وجدلٍ ونسبٍ وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة غير أنه لم يخل فيها من غلطٍ وسقط لجراءته على التسور على الفنون ولا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك وضل في شكول المسالك، وخالف أرسطاطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض، ومال أولاً النظر به في الفقه إلى رأي محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه حتى وسم به ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله - رحمه الله - وكان يحمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه، وبذلٍ بأسراره، واستنادٍ على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريضٍ ولا برقه بتدريجٍ، بل يصك معارضه صك الجندل، وينشقه متلقمه إنشاق الخردل، فنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فمالوا على بغضه ورد أقواله، فأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عنا الدنو إليه والأخذ عنه، وطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منطقع أثره بتربة بلده من بادية ليلة، وبها توفي - رحمه الله - سنة ستٍ وخمسين وأربعمائةٍ، وهو في ذلك غير مرتدعٍ: ولا راجعٍ إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم ويفقههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف، حتى كمل من مصنفاته في فنون من العلم وقر بعيرٍ، لم تعد أكثرها عتبة باديته لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانيةً لا يزيد مؤلفها في ذلك إلا بصيرةً في نشرها، وجدالاً للمعاندة فيها، إلى أن مضى لسبيله، وأكثر معايبه - زعموا - عند المنصف له جهله بسياسة العلم التي هي أوص من إتقانه، ومخلفه عن ذلك على قوة شيخه عمارة، وعلى ذلك كله فلم يكن بالسلم من اضطراب رايه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك بالسؤال: فيتفجر منه بحر علمٍ لا تكدره الدلاء، ولا يقصر عنه الرشاء، له على كل ما ذكرنا دلائل مائلة، وأخبار مأثورة، وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم بالشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم وانحرافه عن سواهم من قريش حتى نسب إلى التعصب لغيهم. وقد كان من غرائبه انتماؤه في فارس واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبةٍ من الدهر تولى فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم لبني أمية أولياء نعمه، لا عن صحة ولايةٍ لهم عليه، فقد عهده الناس حامل الأبوة. مولد الأرومة من عجم ليلة، جده الأدنى حديث الإسلام، ولم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد - على الحقيقة - هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر براس رابيةٍ، وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء والرجولة والرأي، فاغتدى جرثومة سلفٍ لمن نماهم أغنتهم عن الرسوخ في أول السابقة، فما من شرف إلا مسوق عن خارجيةٍ، ولم يكن غلا كلا ولا حي تخطى على هذا رابيةً ليلة، فارتقى قلعةً إصطخر من أرض فارس، فالله أعلم كيف ترقاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالةٍ، بل وصله بها وسع علمٍ وشجته رحم معقومة، بلها بمستأخر الصلة رحمه الله، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصفته، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة عز وجهه. ولهذا الشيخ أبي محمدٍ مع يهود لعنهم الله ومع غيرهم من أولى المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة، وأخبار مكتوبة، وله مصنفات في ذلك معروفة، من أشهرا في علم الجدل كتابه المسمى كتاب الفصل بين أهل الآراء والنحل، كتاب الصادع والرد على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على من قال بالتقليد، وله كتاب في شرح حديث الموطاٍ والكلام على مسائله، وله كتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها، وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا الحديث، وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف، وكتاب الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها، وكتاب أخلاق النفس، وكتابه الكبير المعروف بالإيصال إلى فهم كتاب الخصال، وكتاب كشف الإلباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس، إلى تواليف غيرها ورسائل في معانٍ شتى كثيرٍ عددها. باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها، وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا الحديث، وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف، وكتاب الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها، وكتاب أخلاق النفس، وكتابه الكبير المعروف بالإيصال إلى فهم كتاب الخصال، وكتاب كشف الإلباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس، إلى تواليف غيرها ورسائل في معانٍ شتى كثيرٍ عددها.
ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله:
فإنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاس لا تَحْرِقُوا الَّذِي ، تَضَمَّنَهُ القرطاسُ بَلْ هو في صَدْرِي
يَسِيرُ معي حيثُ اسْتـَقَلَّتْ رَكائِبـِي ، وَيَـنزِلُ إنْ أَنْـزِلْ ويُدْفَن في قَبْري
دَعُونِيَ مِنْ إحْـــرَاقِ رَقٍّ وكَاغَدٍ ، وَقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدري
وإلا فَعُـــودُوا في المَكَاتِبِ بَـدْأَةً ، فَـكَمْ دُونَ مَا تَبْغُـونَ لله مِنْ سـِتْرِ
وله:
كأنك بالزوار لي قد تبادروا ، وقيل لهم أودى على بن أحمد
فيا رب محزونٍ هناك وضاحكٍ ، وكم أدمعٍ تذرى وخدٍ مخدد
عفا الله عني يوم أرحل ظاعناً ، عن الأهل محمولاً إلى ضيق ملحد
وأترك ما قد كنت معتبطاً به ، والقى الذي آنست منه بمرصد
فوارا حتى إن كان زادي مقدماً ، ويا نصبي إن كنت لم أتزود
وبالبدائع، هذا الخبر على وعورة ما أوضحنا على كثرة الدافنين لها والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك فليس ببدعٍ فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالمٍ أهله وقبله رزئ العلماء بتزهدهم على من يقصر عنهم، والحسد داء ولا دواء له - آخر كلام ابن حيان –
ولأبى محمدٍ قصيدة يخاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن بشيرٍ يفخر فيها بالعلم، ويذكر أصناف ما علم يقول فيها:
أنا الشمس في جو العلـوم مـنـيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الـغـرب
ولو أنني من جانب الشرق طـالـع ، لجد علي ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو أكناف العــراق صـبـابة ، ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بـينـهـم ، فحينئذ يبدو التـأسف والـكـرب
فكم قائل: أغفلته وهـو حـاضـر ، وأطلب ما عنه تجيء به الكـتـب!
هنالك يدري أن للـبـعـد قـصة ، وأن كساد العلم آفـتـه الـقـرب!
فَواعَجَباً مَنْ غابَ عَنْهُم تشَوَّقُوا ، لَهُ ودُنُوُّ المَرْءِ مِنْ دَارِهِمْ ذَنْب
وإن مكاناً ضاق عنى لضيق ، على أنه فيح مذاهبه سهب
وإن رجالاً ضيعوني لضيع ، وإن زماناً لم أنل خصبه جدب
ولكن لي في يوسفٍ خير أسوةٍ ، وليس على من بالنبي ائتسي ذنب
يقول مقال الحق والصدق إننى ، حفيظ عليم ما على صادقٍ عتب
وله مثله:
يقول أخي: شجاك رحيل جسمٍ ، وروحك ماله عنا رحيل
فقلت له: المعاين مطمئن ، لذا طلب المعاينة الخليل
قال الحميدي وأنشدته قول لأبي نواسٍ:
عرضن للذي تحب بحبٍ ، ثم دعه بروضة إبليس
فقال: أنت في طريق التحقيق فقال:
أبن قول وجه الحق في نفس سامعٍ ، ودعه فنور الحق يسرى ويشرق
سيؤنسه رفقاً وينسى نفاره ، كما نسى القيد الموثق مطلق