ابن حزم في (المغرب في حلي المغرب) لابن سعيد
قال العلامة علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد العماري الغرناطي ثم التونسي، نور الدين أبو الحسن المؤرخ المالكي (610-685هـ) في كتابه: (المُغْرِب في محاسن حَلْي أهل المغرب):
الكتاب الرابع من الكتب التي يشتمل عليها كتاب كورة أونبة، وهو: كتاب المقلة الساجية في حلي قرية الزاوية، ذكر الحجاري: أنها من أعمال أونبة. نسب إليها بنو حزم.
الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي مولى بني أمية.
من الذخيرة: كان كالبحر لا تكف غواربه، ولا يروى شاربه، وكالبدر لا تجحد دلائله، ولا يمكن نائله. وقال ابن حيان في المتين: كان حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، له في بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخل فيها من غلط وسقط، لجراءته في التسور على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسططاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه. ومال أولاً به النظر في الفقه إلى رأي الشافعي، وناضل عن مذهبه، وانحرف عما سواه حتى وسم به، ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر، إلى قول أصحاب الظاهر، مذهب داود بن علي ومن ابتعه من فقهاء الأمصار، فنقحه، ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله، رحمه الله. وكان يجادل عن علمه هذا من خالفه، على استرسال في طباعة، ومذل بأسراره، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، "ليبيننه للناس ولا يكتمونه" فلم يك يلطف بما عنده بتعريض، ولا يزفه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه أحر من الخردل، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره، بقرية بلده، من بادية لبلة. وبها توفي رحمه الله سنة ست وخمسين وأربع مئة.
وكان متشيعاً في بني أمية منحرفاً عمن سواهم من قريش، وادعى أنه من الفرس، وهو خامل الأبوة من عجم لبلة. وصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالة فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه: سمعت وأطعت لقول الله تعالى: "وأعرض عن الجاهلين" وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه السلام: "صل من قطعك، واعف عمن ظلمك" ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصاراً ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه، وأقول:
تبغ سواي امرءاً يبتغي ، سبابك، إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السفاه ، وصنت محلى عما يعاب
وقل ما بدا لك من بعد ذا ، فإن سكوتي عنه خطاب
وأقول:
كفاني بذكر الناس لي ومآثري ، ومالك فيهم يا ابن عمي ذاكر
عدوي وأشياعي كثير، كذاك من ، غدا وهو نفاع المساعي وضائر
وإني وإن آذيتني وعققتني ، لمحتمل ما جاءني منك صابر
قال قصيدة منها:
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالع ، أجد علا ما ضاع من علمي النهب
وله على مذهبه:
وذي عذل فيمن سباني حسنه ، يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أمن أجل وجه لاح لم تر غيره ، ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له: أسرفت في اللوم فاتئد ، فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني ، على ما أرى حتى يقوم دليل
وله:
يقول أخي: شجاك رحيل جسمي ، وقلبي عندكم أبداً مقيم
فقلت له: المعاين مطمئن ، لذا سأل المعاينة الكليم
وله في غلام ناحل:
وإن غصناً أبداً لا تزول ، عليه شمس لحر بالذبول
ابن عمه أبو المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم:
من الذخيرة: لحق ببلاد الثغر، وقد اعتلت طبقته في النظم والنثر، وكتب عن عدة من الملوك ونال حظاً عريضاً من دنياهم، إلا أنه اعتبط شاباً بعد أن ألف عدة تواليف. وشجر الأمر بينه وبين ابن عمه أبو محمد ابن حزم، وجرت بينهما هنات ظهر فيها أبو المغيرة، وبكته، حتى أسكته.
جواب أبي المغيرة للرسالة المتقدمة: قرأت هذه الرقعة العاقة، فحين استوعبتها أنشدتني:
نحنح زيد وسعل ، لما رأى وقع الأسل
فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت مكانها: بالله لا قطعتها إلا يده، فأثبت على ظهرها، ما يكون سبباً إلى صونها، وقلت:
نعقت ولم تدر كيف الجواب ، وأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبة ، نأت عنك فيها الجياد العراب
وبت من الجهل مستنبحاً ، لغير قرى فأتتك الذئاب