ابن حزم في (الإحاطة في أخبار غرناطة) للسان الدين ابن الخطيب
قال لسان الدين الخطيب، وهو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب الغرناطي الأندلسي ثم المغربي (776هـ) في كتابه: (الإحاطة في أخبار غرناطة):
علي بن أحمد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، الإمام أبو محمد بن حزم.
أصله من الفرس، وجده الأقصى في الإسلام اسمه يزيد، مولى ليزيد بن أبي سفيان. قال أبو مروان ابن حيان: وقد كان من عجائبه، انتماؤه في فارس، وأتباع أهل بيته له في ذلك حقبة من الدهر، تولى فيها الوزير، المفضل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم، لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس مولد الأرومة من عجم لبلة، جده الأدنى، حديث عهد بالإسلام، لم يتقدم لسلفه نباهة. فأبوه أحمد، على الحقيقة، هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر، برأس رايته، وعمره بالخلال الفاضلة، من الرجاجة والدهاء والمعرفة والرجولة والرأي، فأسدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولى السابقة، فما من شرف إلا مسبوق عن خارجته، ولم يكن إلا كلا ولا، حتى تخطى على هذا أوليته لبلة. فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس. فالله أعلم كيف ترقاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة، بل وصله بها وسع علم، ووشجة رحم معقومة، فلها يستأخر الصلة، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصف، وحسابه وحسابهم على الله، الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة. عزت قدرته.
قال الحميدي: كان حافظاً، عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفنناً في علوم جمة، عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا، بعد الرياسة التي كانت له، ولأبيه من قبله، في الإدارة وتدبير الممالك، متواضعاً، ذا فضايل جمة، قال، وما رأينا مثله، فيما اجتمع له. مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين.
قال أبو مروان ابن حيان، كان أبو محمد حامل فنون، من حديث وفقه ونسب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة. وله في ذلك عدة تواليف. وقد مال أولاً به النظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله الشافعي، وناضل عن مذاهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، واستهدف بذلك إلى كثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ. ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر، مذهب داود بن علي، ومن تبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى بسبيله. وكان يحمل علمه، ويجادل عنه لمن خالفه فيه، على استرسال في طباعه، واستناد إلى العهد أخذه الله على العلماء من عباده، ليبينه للناس، ولا يكتمونه، فآل أمره إلى ما عرف.
قال: سمع سماعاً جماً، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربع مئة.
قال: بلغت تواليفه أربع مائة مجلد. وقال، حمل بعير. فمنها في علم الحديث كتاب كبير سماه الإيصال في فهم الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام، في الواجب والحلال والحرام، وساير الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وبيان ذلك كله، وتحقيق القول فيه. وله كتاب الإحكام لأصول الأحكام في غاية التقصي وإيراد الحجاج. وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل. وكتاب الإجماع ومسائله على أبواب الفقه. وكتاب المجلى والمحلى وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض. وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل. وهذا مما سبق إليه، وكتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية. والأمثلة الفقهية. فإنه سلك في بيانه، وإزالة سوء الظن عنه، وتكذيب المنحرفين به، طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمنا.
قال: وكان له في الأدب والشعر نفسٌ واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه. وشعره كثير، وقد جمع على حروف المعجم.
ومنه قوله:
هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركـنـا ، فجائعه تبقى ولـذاتـه تـفـنـى
وإذا أمكنت فـيه مـسـرة سـاعةٍ ، تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعاتٍ في المعـاد ومـوقـفٍ نود ، لديه أننـا لـم نـكـن كـنـا
حصلنا على هـمٍّ وإثـمٍ وحـسـرةٍ ، وفات الذي كنا نلذ بـه عـينـا
حنينٌ لما ولى وشغـل بـمـا أتـى ، وغمٌّ لما يرجى فعيشـك لا يهـنـا
كأن الذي كنـا نـسـر بكونـه ، إذا حققته النفس لفظٌ بلا معـنـى
ومن ذلك قوله من قصيدة في الفخر:
أنا الشمس في جو العلـوم مـنـيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الـغـرب
ولو أنني من جانب الشرق طـالـع ، لجد علي ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو أكناف العــراق صـبـابة ، ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بـينـهـم ، فحينئذ يبدو التـأسف والـكـرب
فكم قائل: أغفلته وهـو حـاضـر ، وأطلب ما عنه تجيء به الكـتـب!
هنالك يدري أن للـبـعـد قـصة ، وأن كساد العلم آفـتـه الـقـرب!
ومنها في الاعتذار عن المدح لنفسه:
ولكن لـي فـي يوسف خـير أسوة ، وليس على من بالنبي ائتسـى ذنـــب
يقـول وقال الحـق والصـدق إنني ، حفيظ علـيهم ما على صــادق عتب
ومن شعره قوله فيما كان يعتقده من المذهب الظاهري:
وَذِي عَذَلٍ فِيمَنْ سَبَانِي حُسْنُهُ ، يُطِيلُ مَلامي في الهَوَى ويَقُولُ
أَمِنْ حُسْنِ وَجْهٍ لاحَ لم تَرَ غَيْرَهُ ، ولم تَدْرِ كيفَ الجِسْمُ أنتَ قَتِيلُ؟
فقلتُ لَهُ: أسْرَفْتَ في اللَّوْمِ فاتَّئِدِ ، فَعِنْدِي رَدٌّ لَوْ أشَاءُ طَوِيلُ
أَلَمْ تَرَ أنِّي ظَاهِرِيٌّ وأنَّنِي ، علَى ما بَدَا حتَّى يَقُومَ دَلِيلُ
ومن ذلك قوله:
أين وجه قول الحق في نفس سامع ، ودعه فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه رفقاً فينسى نفاره ، كما نسي القيد الموثق مطلق
ومن ذلك قوله:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ، فروحي عندكم أبداً مـقـيم
ولـكن للعيان لطيف معنـى ، له سأل المعاينة الـكـلـيم
وفي المعنى:
يقول أخي شجاك رحيل جسم ، وروحك ماله عنـا رحـيل
فقلت له المعاين مطـمـئن ، لذا طلب المعاينة الخـلـيل
دخوله غرناطة: وصل في جملة الإمام المرتضى، ولما جرت عليه الهزيمة واستولى باديس الأمير بغرناطة على محلته، كان أبو محمد من عداد أسراه مع مثله، إلى أن أطلقه بعد لأي، وخلصه الله منه.
محنته:
قال ابن حيان: استهدف إلى فقهاء وقته، فتألبوا على بغضه، ورد قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا أعوامهم عن الدنو إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه على قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به، منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي غير راجع إلى ما أرادوا، به يبث علمه فيمن ينتابه بباديته من عامة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة، الذين لا يحسون فيه الملامة بحداثتهم، ويفقههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف، حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم وقر بعير، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية، وفي ذلك يقول:
فإنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاس لا تَحْرِقُوا الَّذِي ، تَضَمَّنَهُ القرطاسُ بَلْ هو في صَدْرِي
يَسِيرُ معي حيثُ اسْتـَقَلَّتْ رَكائِبـِي ، وَيَـنزِلُ إنْ أَنْـزِلْ ويُدْفَن في قَبْري
مولده: سنة أربع وثمانين وثلاث مئة بقرطبة.
وفاته: توفي سنة ست وخمسين وأربع مئة.